قانون عدم التناقض والثالث المرفوع؛ عماد العقل ومنطلق الحياة
قانون عدم التناقض والثالث المرفوع عماد العقل ومنطلق الحياة
✒️ يحيى عبد الحسن هاشم
افق المعرفة | صناعة الوعي
تمهيد
العقل البشري لا يستطيع أن يُفكر، أو يحكم، أو يُميّز بين الصواب والخطأ، إلا إذا انطلق من قواعد أوليّة بديهية. ومن أهم هذه القواعد: "قانون عدم التناقض" ولازمه المعروف بـ"قانون الثالث المرفوع".
مصطلح " الثالث المرفوع " عادةً في صياغتنا المعرفية لا نستخدمه، ونقول بدلاً عنه " لا يرتفعان " أي أن الملازمة ذاتية فإذا كانا النقيضان لا يجتمعان فلازمهما أن أحدهما لابد أن يبقى ولا يرتفع .
في هذا المقال نُبيّن المعنى الدقيق لهذين القانونين، ونتأمل في النتائج الكارثية المترتبة على إنكارهما، ونكشف كيف أن حياتنا اليومية تنهار تمامًا لو لم نسلّم بهما.
أولًا: التعريف الدقيق للقانونين
1. قانون عدم التناقض (Principle of Non-Contradiction)
هو قاعدة عقلية بديهية تنص على أن:
"الشيء الواحد، لا يمكن أن يكون ويكون نقيضه في آنٍ واحد، ومن نفس الجهة".
مثال:
لا يمكن للماء أن يكون ساخنًا وغير ساخن في اللحظة نفسها ومن نفس الجهة.
وهذا القانون هو ما يسمح للعقل بأن يُثبت شيئًا بنفي نقيضه.
2. قانون الثالث المرفوع (Law of the Excluded Middle)
هو لازمة من لوازم قانون عدم التناقض، وينص على أن:
"لا يمكن أن يخلو الشيء من كونه أحد النقيضين، فلابد أن يكون إمّا هذا أو ذاك، ولا ثالث بينهما."
مثال:
أي جسم في حالة حرارة معينة: إما أن يكون ساخنًا، أو غير ساخن، ولا يمكن أن يكون لا ساخنًا ولا غير ساخن.
لذا سُمي بـ"الثالث المرفوع"، أي أن الاحتمال الثالث ــ بين النقيضين ــ مرفوع وممتنع.
ثانيًا: لماذا يُعدّ القانونان من البديهيات العقلية؟
لأن العقل لا يستطيع أصلًا:
التفكير،
أو المقارنة،
أو إصدار حكم،
أو رفض أو قبول أي فكرة...
إلا إذا اعتمد ضمنًا على قاعدة أن الأشياء لا تكون هي ونقيضها في آن واحد، ولا يمكن أن تكون خالية منهما معًا.
ثالثًا: ماذا يحدث إذا أنكرنا هذين القانونين في حياتنا؟
1. يُصاب العقل بالشلل التام
لا يمكن تمييز أي معنى من نقيضه.
"الصدق" قد يكون هو "الكذب"، و"العدل" هو "الظلم"!
2. تنهار المعرفة واللغة
كل جملة تُصبح قابلة لأن تكون صحيحة وخاطئة في الوقت نفسه.
لا يمكن تعلم شيء، لأن النفي والإثبات يصبحان سواء.
3. تتوقف العلوم والتقنية
لا يمكن إثبات أن الحديد يتمدد بالحرارة، لأننا لا نستطيع استبعاد نقيض ذلك!
كل قاعدة علمية يُمكن التشكيك بها دائمًا، بلا حسم.
4. يختفي القانون والعدالة
لا يمكن تجريم القاتل، لأنه قد يكون قاتلًا وغير قاتل!
لا يمكن تصديق شهادة، لأن الشاهد قد يكون صادقاً وكاذباً في آن واحد!
5. ينعدم التواصل والحوار
لا يبقى للحديث معنى، لأن كل كلمة تعني الشيء ونقيضه.
كل جدال ينقلب عبثًا، لأن كل رأي "صحيح وخاطئ" في الوقت ذاته.
لذا نجد هناك من يشدد النكير على من أنكر قانون النقيضان لا يجتمعان، فليس له عقل، ولا يمكن أن يُخاطب بمنطق .
بل أكثر من ذلك فلا غرابة لمن يؤكد على أن قانون عدم التناقض أصل كل تفكير منطقي، وإنكاره يُخرج الإنسان من دائرة العقل.
أرسطو كان يركز على أن من يشكك ويخطىء هذه البديهية العقلية ولا يراه صحيحًا، فلا يمكن معه قول شيء ذي معنى على الإطلاق.
خاتمة
إن قانون عدم التناقض وقانون الثالث المرفوع هما ركيزتان من ركائز الوجود العقلي والمعرفي.
فمن أنكرهما، فقد أنكر إمكان المعرفة، وفتح الباب لفوضى عقلية، وعبث لغوي، وانهيار للحياة العلمية والأخلاقية.
ولذلك، فإن التسليم بهما ليس خيارًا فكريًا، بل هو شرط وجود العقل كعقل.
إخترنا لكم
- العقلانية السببية والتأييد الإلهي في حركة الإمام المهدي (ع)
- إشكالية التوقيت للظهور المهدوي؛ الخلل المنهجي في اعتماد ما لا أصل له
- المعالجة التأصيلية للذنب في المنظور القرآني والنفسي
- أنماط العقول ! قراءة معرفية في تصنيفات الشهيد المطهري
- الناس أعداء ما جهلوا - قراءة في أعظم الحكم الإنسانية
- الفلسفة والحكمة في ميزان النص القرآني والروائي
- الشباب في زمن التفاهة - كرسي فكري اسبوعي
- اُفق المعرفة جامعتنا الفكرية
آخر الأسئلة و الأجوبة
- كيف تقرؤون نوعية الخطاب الديني والخطيب
- ما صحة هذا القول : إنّ الشيعة لا يحتاجون لعلم الجرح والتعديل؛ لان عندهم المعصوم
- هل توجد آية قرآنية صريحة في ولاية علي عليه السلام؟
- ما هو الفرق بين القيد الاحترازي والتوضيحي وما هي الثمرة العملية
- ما هو المراد من القضية المهملة؟
- ما هو التعريف الدقيق لمفهوم فلسفة الدين، وما هو المراد من الدين ؟
- شبهات حول عرض الحديث على القرآن
