حدود العمل وسعة الرحمة الإلهية في المصير الأخروي
♦️حدود العمل وسعة الرحمة الإلهية في المصير الأخروي
▫️د. يحيى عبد الحسن هاشم
حين كتب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على كفن سلمان الفارسي:
وفدتُ على الكريم بغير زادِ
من الحسناتِ والقلبِ السليمِ
وحملُ الزادِ أقبحُ كلِّ شيءٍ
إذا كان الوفودُ على الكريمِ
لم يكن الإمام عليه السلام يدعو إلى ترك العمل، ولا إلى إلغاء المسؤولية، بل كان يؤسس لحقيقة عقدية عميقة، وهي أن الإنسان مهما عمل، يبقى فقيرًا أمام رحمة الله المطلقة، وأن العلاقة مع الله لا تقوم على “المقايضة”، بل على الفضل الإلهي والرحمة والكرم.
فالإنسان محدود، وعمله محدود، بينما نعم الله غير محدودة، ولذلك لا يمكن أن يكون العمل مساويًا لحق الله تعالى أو ثمنًا للجنة.
وقد ورد في الأثر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله:
«لن يُدخلَ أحدًا عملُه الجنة».
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمّدني الله برحمةٍ منه وفضل».
وهذا الحديث يؤسس لقاعدة دقيقة جدًا:
العمل سببٌ للهداية، لكنه في نفس الوقت ليست المسألة هنا عوضية ومقايضة بين شيئين!!.
فالعبد يصلي، ويصوم، ويجاهد نفسه، ويتحمل المشقة، لكن كل ذلك لا يساوي نعمة البصر وحدها، فكيف بثمن الجنة والخلود والقرب الإلهي؟
ولهذا قال تعالى:
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾
سورة النور: 21.
وقال سبحانه:
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾
سورة الأنعام: 54.
فالرحمة ليست أمرًا ثانويًا في العقيدة الإسلامية، بل هي الأصل الذي تقوم عليه النجاة والهداية والتوفيق.
ومن هنا نفهم دعاء علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام في الصحيفة السجادية:
«إلهي، ليس لي وسيلةٌ إليك إلا عفوك، ولا لي ذريعةٌ إلا رحمتك».
إن أهل المعرفة كانوا كلما ازدادوا عملًا ازدادوا خوفًا وتواضعًا، لأنهم يدركون أن النجاة ليست باستحقاق الذات، بل بالتسليم لله والافتقار إليه.
ولهذا ذمّ القرآن حالة الغرور بالعمل:
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾
سورة الحجرات: 17.
فالعمل الحقيقي لا يولّد الكِبر، بل يولّد الشعور بالعجز أمام كمال الله.
ومن هنا تتضح المعادلة القرآنية الدقيقة:
العمل مطلوب، والتقصير مذموم، لكن الاتكال على العمل وحده نوع من الغرور الخفي، أما النجاة الحقيقية فتقوم على:
الإيمان الصادق.
السعي والعمل.
التوبة الدائمة.
الافتقار إلى الله.
الرجاء برحمته المطلقة.
ولهذا كان أولياء الله يجمعون بين كثرة العمل وشدة الخوف، وبين العبادة العظيمة والانكسار الكامل أمام الله تعالى.
تحميل الملف
إخترنا لكم
- العقل العملي في القرآن الكريم ( ندوة فكرية )
- جهاد التبيين وميثم التمّار… الكلمة التي لا تُشترى
- الدين وفهم قراءة الدين… مسافة الوعي والبصيرة
- المرأة والطب؛ رؤية متوازنة بين العفاف وخدمة المجتمع
- حديث الغدير ؛ قراءة في دلالته السياقية والعقلائية
- ثنائية العقول المغلقة والعقول الحيّة الحرّة
- ضمن مشروع افق المعرفة - قراءة الكتب وتلخيص أفكارها
- خطرُ الفتوى بغير علم
آخر الأسئلة و الأجوبة
- كيف نخلق ثقافة المحبة وخلق الإبتسامة في المجتمع
- ما مدى صحة قول الزهراء لعلي " اشتملت شملة الجنين وقعدت قعدة.. الخ"
- ما المقصود بالتعارض البدوي في الروايات الشيعية ؟
- ماهي المعايير التی یجب أن يتحلى بها الباحث أو الكاتب
- هل ان الحديث المقطوع هو نفسة الحديث المعلق؟
- هناك من يدعي المنافاة بين طول العمر والعادة المطردة لقصر العمر
- هل من ترك زيارة الحسين (ع ) من غير علة يستحق الدخول في النار؟
