الدين وفهم قراءة الدين… مسافة الوعي والبصيرة
الدين وفهم قراءة الدين… مسافة الوعي والبصيرة
▫️د. يحيى عبدالحسن هاشم
كثيرٌ من المشكلات الفكرية والاجتماعية في عصرنا الحاضر تنطلق من عدم الفهم والقراءة الدقيقة للدين، وعدم إدراك مقاصده الكبرى وضروراته الواقعية.
فبعض الناس يتعامل مع الدين بوصفه مجموعة قيودٍ جامدة منفصلة عن الحياة، بينما الدين في حقيقته مشروعٌ لصناعة الإنسان وبناء الحياة وإقامة التوازن بين الروح والعقل والمجتمع.
إنّ الدين ليس سجنًا ولا قفصًا كما يتصوّره البعض بسبب الفهم الخاطئ أو الطرح المتشدّد، بل المشكلة في طريقة فهمنا نحن للدين، وفي تحويل بعض الأحكام أو الاحتياطات إلى صورةٍ منفّرة تُشعر الإنسان بالضيق والانغلاق، مع أنّ القرآن الكريم قدّم الدين بوصفه رحمةً وهدايةً وتيسيرًا للناس.
فالقرآن الكريم يؤكد:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
كما أنّ السنة النبوية ومدرسة أهل البيت عليهم السلام قدّمت نموذجًا متوازنًا يجمع بين العبادة والعلم والعمل والحياة والرحمة والكرامة الإنسانية، بعيدًا عن الغلوّ والتشدّد المنفصل عن الواقع.
ومن أبرز ما يكشف روح التشريع الإسلامي قول رسول الله صلى الله عليه وآله:
«إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ بِالْيَهُودِيَّةِ وَلَا بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَلَكِنِّي بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ».
وهذا الحديث الشريف يضع قاعدة أساسية في فهم الدين، وهي أنّ جوهر الرسالة يقوم على السماحة واليسر ورفع الحرج، لا على التعقيد والتضييق.
فأهل البيت عليهم السلام لم يكونوا دعاة انغلاقٍ أو تعطيلٍ للحياة، بل كانوا يؤسّسون لمجتمعٍ واعٍ متعلّمٍ متوازن، يحفظ القيم الأخلاقية وفي الوقت نفسه ينهض بالعلم والمعرفة وخدمة الإنسان.
ومن هنا، فإنّ كثيرًا من الأزمات لا تنشأ من الدين نفسه، بل من القراءة الضيّقة أو غير المتوازنة له، حين يُفصل عن مقاصده الكبرى وعن حاجات الإنسان الواقعية. ولهذا نحتاج دائمًا إلى فهمٍ عميقٍ وواعٍ للدين، يربط النصّ بالحياة، ويحفظ الثوابت دون أن يتحوّل الدين إلى عبءٍ نفسي أو اجتماعي على الناس.
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله في بيان المنهج المتوازن في الحياة قوله المشهور:
«اعْمَلْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَدًا، وَاعْمَلْ لِآخِرَتِكَ كَأَنَّكَ تَمُوتُ غَدًا».
وهو وإن ورد بألفاظ متعددة في كتب الحديث والسير، إلا أنّ مضمونه ثابت في روح التشريع الإسلامي الذي يدعو إلى عدم إهمال الدنيا ولا الغفلة عن الآخرة، بل الجمع بينهما في توازنٍ حكيم.
كما ورد عن الإمام محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام (الإمام الباقر أو الإمام زين العابدين بحسب اختلاف النقل في بعض المصادر):
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَرَكَ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ، وَلَا آخِرَتَهُ لِدُنْيَاهُ».
دلالة النص تضع قاعدة فكرية واضحة، وهي أن الإسلام لا يفصل بين الدين والحياة، ولا يدعو إلى الرهبانية أو الانقطاع عن الدنيا، كما لا يقرّ الغرق في الدنيا ونسيان الآخرة، بل يجعل الإنسان في مسارٍ متوازنٍ يحقق عمارة الدنيا مع حفظ المصير الأخروي. وبذلك يتأكد أن المنهج الإسلامي يقوم على وحدة الحياة والدين، لا على التقابل بينهما، وأن التديّن الصحيح هو الذي يصنع إنسانًا فاعلًا في دنياه، واعيًا لآخرته في آنٍ واحد.
إخترنا لكم
- الدين وفهم قراءة الدين… مسافة الوعي والبصيرة
- المرأة والطب؛ رؤية متوازنة بين العفاف وخدمة المجتمع
- حديث الغدير ؛ قراءة في دلالته السياقية والعقلائية
- ثنائية العقول المغلقة والعقول الحيّة الحرّة
- ضمن مشروع افق المعرفة - قراءة الكتب وتلخيص أفكارها
- خطرُ الفتوى بغير علم
- المرأة العاقلة الرشيدة في ضوء القرآن الكريم - مقاربات تحليلية
- مذهب الربوبية - عرضٌ وتحليل نقدي في ضوء العقل والوحي
آخر الأسئلة و الأجوبة
- هل توجد آية قرآنية صريحة في ولاية علي عليه السلام؟
- ما الفرق بين الاحتياط الوجوبي والاستحبابي ، من حيث دلالة الدليل و فعل المكلف
- ماهو منهج الفيض الكاشاني في كتابه الوافي ؟
- الاقتران بين الحب للعترة الطاهرة والعمل هما المنجيان
- كيف لي أن أتقبل النقد ؟ وهل النقد حالة صحيّة ؟
- ما هو المراد من القضية المهملة؟
- هل توجد قواسم مشتركة لتوحيد كلمة المسلمين ولاسيما في هذا الظرف الدقيق والحساس
