طلب العلم لا عمرَ له
طلب العلم لا عمرَ له
د. يحيى عبد الحسن هاشم
تسربت إلى بعض المجتمعات أمثالٌ شعبية صنعت حالةً من الإحباط النفسي تجاه التعلم، ومن أكثرها تداولًا مقولة:
«بعد ما شاب ودّوه للكتّاب».
وهذه العبارة تحمل في عمقها نظرةً قاصرةً إلى الإنسان والعلم معًا، وكأن المعرفة مرتبطة بسنٍ محدد، فإذا تجاوزه الإنسان أُغلقت أمامه أبواب الفهم والتطور.
بينما الرؤية القرآنية والإنسانية تؤكد أن التعلم مشروع عمرٍ كامل، وأن الإنسان يبقى محتاجًا إلى المعرفة ما دام حيًا؛ لأن الحياة نفسها متغيرة، والجهل ليس مجرد نقص معلومات، بل هو ظلامٌ يعطل الوعي ويقود إلى الأخطاء والانغلاق والتبعية.
إن الإنسان كلما تقدم به العمر ازدادت حاجته إلى العلم؛ لأنه يصبح أكثر احتكاكًا بالحياة، وأكثر مسؤوليةً في الأسرة والمجتمع والعمل والفكر.
ولهذا فإن ترك التعلم بحجة العمر هو في الحقيقة استسلامٌ للجمود، لا واقعية ولا حكمة.
وقد أسس القرآن الكريم لثقافة التعلم المستمر، فجعل طلب العلم قيمةً إنسانية عليا، ولم يربطه بمرحلة عمرية معينة، قال تعالى:
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ سورة طه: 114.
واللافت أن الآية لم تحدد سقفًا للعلم، بل جعلت الزيادة فيه طلبًا دائمًا حتى للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله- لأن الإنسان بفطرته يطلب الكمال - مما يدل على أن الإنسان لا يصل إلى مرحلة يكتفي فيها من المعرفة.
وقال تعالى:
﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سورة الزمر: 9.
فالقرآن يرفع من قيمة الإنسان بالعلم لا بالعمر ولا بالمكانة الاجتماعية ولا بالمظاهر الشكلية.
وفي تراث أهل البيت عليهم السلام تأكيد عميق على أن التعلم عبادة ومسيرة مستمرة، فقد ورد عن الإمام علي عليه السلام:
«قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنُه».
فالإنسان يُقاس بوعيه ومعرفته وبصيرته، لا بعدد سنوات عمره.
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام:
«اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد».
وقد ذكر هذا المعنى عدد من العلماء في أبواب فضل العلم، منهم الشيخ الكليني في الكافي، دار الكتب الإسلامية، ج1، كتاب فضل العلم.
كما أن الواقع المعاصر يهدم تمامًا هذه النظرة المحبطة؛ فالعالم اليوم مليء بأشخاص بدأوا التعلم أو الإبداع في أعمار متأخرة، وبعضهم دخل الجامعات بعد الأربعين والخمسين، وآخرون تعلموا اللغات أو البرمجة أو العلوم الشرعية أو الإنسانية عبر المنصات الإلكترونية الحديثة، حتى أصبحت الجامعات العالمية تقدم برامج مفتوحة لجميع الأعمار عبر الإنترنت.
وقد أثبتت الدراسات الحديثة في علم الأعصاب أن الدماغ يمتلك قابلية التعلم وإعادة بناء الوصلات العصبية حتى في الأعمار المتقدمة، فيما يعرف بـ “المرونة العصبية” (Neuroplasticity)، مما يعني أن القدرة على التعلم لا تنتهي ما دام العقل يعمل.
إن أخطر ما يواجه الإنسان ليس التقدم في العمر، بل التوقف عن النمو الفكري.
فالإنسان قد يكون شابًا في سنه لكنه متجمد العقل، وقد يكون كبيرًا في العمر لكنه متقد الفكر، واسع الإدراك، متجدد الوعي.
ولهذا فإن العودة إلى الدراسة، أو تعلم مهارة جديدة، أو قراءة كتاب، أو حضور دورة علمية، ليست أمرًا يدعو للسخرية أبدًا، بل هي شجاعة معرفية، وانتصار على الجهل، وإعلان أن الإنسان ما زال حيَّ الفكر والروح.
فالجهل يُطفئ البصيرة، أما العلم فهو النور الذي يكشف الطريق، ويمنح الإنسان قدرةً على فهم نفسه والعالم والحياة.
قناة افق المعرفة- صناعة الوعي
إخترنا لكم
- العقل العملي في القرآن الكريم ( ندوة فكرية )
- جهاد التبيين وميثم التمّار… الكلمة التي لا تُشترى
- الدين وفهم قراءة الدين… مسافة الوعي والبصيرة
- المرأة والطب؛ رؤية متوازنة بين العفاف وخدمة المجتمع
- حديث الغدير ؛ قراءة في دلالته السياقية والعقلائية
- ثنائية العقول المغلقة والعقول الحيّة الحرّة
- ضمن مشروع افق المعرفة - قراءة الكتب وتلخيص أفكارها
- خطرُ الفتوى بغير علم
آخر الأسئلة و الأجوبة
- ما المقصود بالتعارض البدوي في الروايات الشيعية ؟
- شبهة التنافي بين علة الغيبة ـ خوف القتل ـ وبين العلم بموته
- كبار علماء المدرسة السنية يوثقون حديث الغدير
- كيف لي أن أتقبل النقد ؟ وهل النقد حالة صحيّة ؟
- كيف نتعامل مع الإشاعة وما هي الطرق لمواجهتها
- ماهي المعايير التی یجب أن يتحلى بها الباحث أو الكاتب
- هل المهم أن نحفظ القرآن أو نستنطقه ونتدبره
